أبي منصور الماتريدي
287
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً جائز أن يكون هذا على التحقيق ، فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم ، ويصير الشيب سكارى ؛ لشدة هوله ؛ كما قال تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] . وجائز أن يكون على التمثيل ، لا على [ تحقيق الشيب ] « 1 » ، فمثله به ؛ لعظم ذلك اليوم ، وشدة هوله ، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه ؛ على تعظيم ذلك الشيء ، كقوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 ، 91 ] ، فذكر هذا على التمثيل ؛ لعظم ما قيل فيه ، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق . وجائز أن يكون معناه : أنه لولا أن الله - تعالى - بعثهم للإبقاء وألا يتغيروا ، ولا يتفانوا ، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان . وقوله - عزّ وجل - : السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ : أي : بما يجعل الولدان شيبا ، وهو هول ذلك اليوم ، وشدة فزعه . أو منفطر بالغمام . وقيل : منفطر بالله ، أي : بقضائه وحكمه ، والله أعلم . ثم قال : مُنْفَطِرٌ بِهِ ، ولم يقل : « منفطرة » ، والسماء مؤنث ؛ فذكر الزجاج : أن معنى قوله : مُنْفَطِرٌ بِهِ ، أي : ذات انفطار ، فعبر بها كما يعبر عن الذكور ؛ كما يقال : امرأة مرضع ، أي : ذات إرضاع . وقوله - عزّ وجل - : كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا : أي : الذي وقع به الوعد مفعول ، لا أن يكون الوعد هو المفعول ، وكذا قوله : إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [ مريم : 61 ] ، والوعد لا يؤتى ، بل الموعود هو الذي يؤتى ، ولكن نسب الموعود إلى الوعد ؛ لأنه من آثاره ، وهذا كما يقال : المطر رحمة الله ، أي : برحمة الله ما أمطروا ، لا أن يكون المطر رحمته ، ويقال : الصلاة أمر الله ، أي : بأمر الله ما تقام ، لا أن تكون أمره الذي يوصف به ؛ فكذلك الموعود نسب إلى الوعد ؛ إذ بالوعد ما استوجبوا ، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو المأتي . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ : جائز أن يكون قوله : هذِهِ منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها تذكرة .
--> ( 1 ) في أ : التحقيق .